الشيخ السبحاني

121

بحوث في الملل والنحل

إلى الميل عن جادة الحق والموضوعية ، وتحرفه عن أُصول وأُسس التقنين المتزنة والمحايدة ، وتبعده عن النظرة الشمولية واعتماد منهج العدل والإنصاف ، ولذلك تجد المقنّن والمشرع وتحت ضغط عامل الخوف والخشية من أصحاب النفوذ والسطوة في المجتمع يسنّ القوانين بطريقة تؤمّن مصالح ومنافع تلك الثلّة حتّى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامّة وسحق الطبقات الأُخرى . ثمّ إنّ عامل الخشية والخوف من مراكز القدرة وأصحاب السطوة - أفراداً كانوا أو جماعات - يبقى كالسيف المرهف المسلّط على رقبة المقنّن يسوقه إلى الجهة التي يريدها صاحب السيف وذو السلطة والنفوذ بنحو تجعل المقنن يعيش بين خيارين : إمّا الخضوع إلى السلطة وتلبية رغباتها وسن القانون وفقاً لميولها وإرادتها والانجراف مع تيارها ؛ وأمّا تحمّل أشدّ الضغوط والمصاعب كالسجن والإبعاد ، أو على أقل تقدير المحاربة بلقمة العيش . من هنا ندرك أهمية هذا الشرط وقيمته في التشريع ، وكيف يكون استقلال المقنّن وتحرّره عاملًا فاعلًا في الرؤية الموضوعية ، وممّا لا شكّ فيه أنّ التحرر الكامل والنفوذ المطلق والغنى التام هو من خصائصه سبحانه وحده لا شريك له ، ولهذا فهو الجدير بمقام التشريع وسن القانون ولا يستحق هذا المنصب غيره مهما كان . ومن حسن الحظ أنّ بعض المحقّقين والمفكّرين الغربيين تنبّهوا إلى هذا الشرط ومدى أهميّته في موضوعية القانون وواقعيته من أمثال المفكّر